نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٢٦٣

ويرجّح أن يكون هؤلاء المنافقون من اليهود قوله تعالى: (وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)، والتّوراة تحذر اليهود من التّحاكم إلى الكهّان لقوله تعالى: (وَقَدُ امِرُواْ أَنْ يَّكْفُرُواْ بِهِ). ويمكن أن لا نخصّص المقصود في الآية بأنهم اليهود وحدهم ضرورة أن من أسس العقيدة الإسلامية أن نؤمن بما أنزل على رسولنا وبما أنزل على رسل الله من قبله. ثم إن الأمر الإلهيّ بالكفر بالطّاغوت جاء عامّا لكل المؤمنين بالدّيانات السّماوية في قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً اَنُ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (النحل:36). وقوله: (فَمَنْ يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُومِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) (البقرة:256).

وقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ) يدلّ على مدى حرصهم على ذلك بالفعل الإرادي الذي يحرّك الإنسان بدافع الحبّ للشيء المطلوب، ولذا جاء التّعبير القرآني متساوقا مع إرادة الشّيطان الذي هو داعية الباطل والشّر في نفس الإنسان، ووصف الله ضلالهم بأنه "بعيد" ليدلّ على استمرارهم فيه حتى أصبحت المسافة بينهم وبين الإيمان الصّحيح بعيدة.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوِاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً): ومن علامات نفاقهم أنهم يصدّون عن كل دعوة ترغّبهم في التّحاكم إلى ما أنزل الله أو إلى تحكيم الرّسول في قضاياهم، وبما أن ذلك الصّدود يكشف عن نفاقهم البالغ، فقد أظهر النّص صفة النّفاق: (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ) بدل الإضمار ليدلّ على تمكّن تلك الصّفة منهم، ويبيّن أثرها في سلوكهم بقوله تعالى:

١٬١٢٦ / ٦٬٢٠١