نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٤

وهكذا يتبيّن من خلال هذه الآيات وأمثالها واقعية الإسلام في أمره لأتباعه أن يأخذوا بكلّ الوسائل ويتّخذوا كلّ الأسباب الممكنة لحماية عقيدتهم ودينهم، لأن الأعداء وإن تظاهروا بالسّلم أو طلبوا الصّلح فهم لا ينامون عن ثأر ولا يفلتون الفرص في المكر والكيد، فلا تناقض إطلاقا بين هذه الآية وحديث: "لا يغني حذر من قدر".(1) على فرض صحّته، لأن القدر يجري بعلم الله وما قدّره يكون، فالله الذي يصرّف الأقدار هو الذي يأمرنا بما يصلح من شؤوننا وينظم أحوالنا بتوخّينا للأسباب المعقولة والمشروعة، وما الحيطة والحذر وإعداد القوة إلا من جملة تلك الأسباب.

وبما أن أخذ الحذر تتفرع عنه عدة طرق ووسائل قال: (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ اَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً) بمعنى اخرجوا للحرب بحسب حال العدوّ وما تقتضيه مقاومته من تسيير الآليات والجيوش، إما بنفير جماعي لكلّ أفراد الأمّة مثل أن يكون العدوّ قد استهدف التّراب الوطني ليحتلّه، وإما بتسيير فرق تتفاوت في أعدادها إذا كان الأمر يتعلق بمهمة محددة. وهذا الأمر الإلهيّ يقتضي أن يُهيّأ كلّ أفراد الأمّة بتربيتهم على أساليب القتال وإتقان فنون الحرب بالخدمة العسكرية، فكل متلكّئ في هذا الواجب الوطني -وليس له عذر في ذلك- فقد فرّط في ما كلّفه الله به من الاستعداد للجهاد، ولا نامت أعين الجبناء، كما قال خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال شاعر الثورة مفدي زكرياء:

إن الجبان على البلاد مصيبة عظمت فيا أرض ابلعي الجبناء.

(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة، حديث 1813، ولفظه: " لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، 1/ 669. ورواه أحمد في المسند من حديث معاذ، حديث 22097، 5/ 234.

١٬١٤٧ / ٦٬٢٠١