نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٧والذين رجّحوا أن يكون الخطاب في الآية موجّها بداية إلى المنافقين قالوا لأنّ غيرهم من المؤمنين مهما ضعف إيمانهم فإنه لا تصدر منهم تلك الأقوال ولا هم يتّصفون بتلك الصّفات لأنها تنافي الإيمان. ويبدو لي –والله أعلم- أن هناك صفات يمكن أن يتصف بها بعض المؤمنين ولا تقدح في إيمانهم مثل العجز والبخل والجبن فقد سئل الرّسول: "أيكون المؤمن جبانا فقال: نعم. أيكون شحيحا؟ قال: نعم. ولكنه عندما سئل أيكون كذابا؟ قال: لا".(1) فإنّ الجبن غالباً ما تكون دوافعه هو حبّ الدّنيا والتّعلّق المفرط بالأهل والولد. وقد بيّن ذلك رسول الله عندما سأله الصّحابة عن سبب الغثائية في الحديث المشهور فأجاب بأن الوهن: "هو حبّ الدّنيا وكراهية الموت".(2) وحسبك بالذين خُلِّفوا حتى ضاقت بهم الأرض.
وقوله تعالى: (كَأَن لَّمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ’ مَوَدَّةٌ) جملة معترضة جاءت فيها كلمة: (مَوَدَّةٌ) نكرةً في سياق التّشبيه، للمبالغة في نفي كلّ أنواع المودّة لتشمل المودّة الصّورية عند المنافقين، والمودّة الحقيقية عند ضعاف المؤمنين، أي لا يمكن أن يصدر هذا القول ممن كان بينه وبين المؤمنين أدنى موّدة صورية أو حقيقية، وهو ما تقتضيه الأخوة الإيمانية بنصّ الكتاب والسّنة، والتّعبير بهذا التّشبيه البليغ فيه من التّقريع والتّوبيخ بلطف القول ما من شأنه أن يؤثر على القلوب المرهفة، فتشعر بوخز الضّمير، وتستنكر ما هي عليه من العجز والتّقصير.
(1) 1 - رواه مالك في الموطأ من حديث صفوان بن سليم، كتاب الكلام، باب ما جاء في الصدق والكذب، حديث 1795، 2/ 990.
(2) 1 - رواه أبو داود من حديث ثوبان، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، حديث 4297، 4/ 111. وأحمد في المسند من حديث ثوبان أيضا، حديث 22450، 5/ 278.