نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٦وزيادةً في التّعريض والتّنديد بهؤلاء فقد فرّع الله عن فعل الإبطاء فشرح حال هؤلاء الضّعفاء أو المنافقين، وهم يتردّدون بين الفرح والسّرور أن لم يكونوا في صفّ المجاهدين عندما يستحرّ فيهم القتل أو الأسر، وبين الحسرة والنّدم عندما ينصر الله المسلمين.
وما أروع اختلاف التّعبير في الموقفين: النّصر أو الهزيمة، ففي حالة النّصر هناك فضل الله الغامر عندما يستوفي المجاهدون شروط النّصر امتثالا لقوله تعالى: (إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)، لأن الإعداد الماديّ مهما يكن وافيا كاملا فإن هناك المدد الرّبّاني والعون الإلهي لجماعة المؤمنين: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب) (الأنفال:12). وفي الحالة الأخرى من الهزيمة فهي المصيبة الكبرى، وما أدقّ التّعبير بكلمة: (مُصِيبَةٌ) وأيّها أفظع وأقسى على الحرّ من أن يصبح مسلوب الحرية والكرامة تحت سياط العدوّ لا يملك لنفسه حولاً ولا قوةً وتلك حالة يتسبّب فيها الإنسان عندما يقصّر في الأخذ بالأسباب، ويضطرب في مواجهة المشاكل والصّعاب، والقرآن الكريم يحمّل التّبعة على الإنسان بما كسبت يداه في ما ينزل به من المصائب. ففي هزيمة "أحد" مثلا يقول تعالى: (اَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُ (أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُم) (آل عمران:165)، ويقول في سورة الشّور: (وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) … (الشورى:30).