نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٦ما يزال النّص القرآني يتناول مواقف المترددّين الشّاكين، وهم ضمن الجماعة المسلمة، وكيف كان هؤلاء يضمرون غير ما يظهرون إما نفاقا ممن تبيّن لهم الحق وأنكروه خفية، أو ممن لا يزال تصوّره لحقيقة الرّسالة ناقصا. ويمكن أن تكون هذه القولة لكافّة المسلمين في حضرة رسول الله عندما يسمعون القرآن أو عندما يرشدهم ويأمرهم فيكون شأنهم الطّاعة والامتثال دون منازعة ولا تردّد وذلك من مقتضيات الإيمان الصّحيح كما بيّنه الله تعالى في قوله: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُومِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمُ (أَنْ يَّقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51). ولكن المنافقين ومرضى القلوب وضعاف الإيمان إنّما كان شأنهم مع رسول الله إظهار الطّاعة والانقياد مخادعة ونفاقا، لأن الله تعالى قد وجّه الرّسول أن يأخذ المنافقين على ظواهرهم في معاملته إياهم، وهي خطة حكيمة دعت إليها ضرورة المرحلة التي كانت عليها الدّعوة في بدء استقرارها بالمدينة. غير أن الوحي كان يكشف مؤامراتهم المبيّتة، ويبرز مواقفهم الخادعة فيوقعهم في حرج، وبذلك أخذت هذه الطّائفة تتضاءل وتتناقص حتى ذابت وتلاشت.
وتحتمل تاء المضارعة في فعل (تَقُولُ) وجهين:
أ) - أن تكون للمؤنث الغائب أي الطّائفة، بمعنى أنها تنوي غير الذي تقوله أمامك من إظهار الطّاعة وإضمار المعصية.
ب) - ويجوز أن يراد بها تاء الخطاب لرسول الله، أي تبّيت غير الذي تقول لهم أنت في أوامرك وإرشاداتك.
(وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ): تهديد لهم بأنهم لا ينفلتون من طائلة العقاب، وذلك بافتضاح أمرهم في الدّنيا وتسجيل أعمالهم في صحائفهم ليوم الجزاء.