نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٣أسند الأمر بالقتال إلى الذين يتّصفون بشرف القصد ونبل الغاية، وهم الذين باعوا حظوظهم الدّنيوية بما عند الله من ثواب الآخرة، أي الذين كَمُل إيمانهم وحبّهم لله ورسوله، ويقصد بهذا الإسناد معنى الثّناء والمدح لهؤلاء، ولا يقصد به معنى اختصاصهم بهذا الأمر، وهو يتضمن معنى التّوبيخ للمبطئين وتحفيزهم لتطهير نفوسهم من ذلك الذّنب العظيم (ذنب القعود عن القتال)، ذلك الذّنب الذي لا تكفّره كل الصّالحات مهما اجتهد فيها القاعدون غير أولي الضّرر.
وقوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللهِ) يفيد تعليل الأمر بالقتال، وهو أن يكون في سبيل الله لإعلاء كلمته وطلب مرضاته لا لحميّة أو عصبيّة جاهلية، ولا لطلب المنافع الدّنيوية. وقد حدّد رسول الله عليه السلام معنى في "سبيل الله" عندما قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ووردت في سورة البقرة والنّساء والتّوبة وغيرها آيات أخرى تحدّد الهدف من الجهاد في الإسلام وتحصر دائرة القتال الذي أذن الله فيه للمسلمين في ردّ العدوان ودرء الفتنة في الدّين فقال جلّ من قائل: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193) … إلخ.
وهنا يزيد معنى آخر على العموم الذي يفيده: (فِي سَبِيلِ اللهِ) فيقول جلّ من قائل: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً):