نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٣٠

قلت: إن في الآية ما يرجّح هذا التّوجيه الحكيم إذ يقول تعالى بأداة المفاجأة: (إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ) ولم يقل مثلا: إذا هم يخشون النّاس. مما يدلّ على أن هذا الموقف كان ممّن هو حديث عهد بالإيمان من جمهور المسلمين، وقد قال الله عنهم بصفة عامّة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).

والاستفهام في أول الآية للتّعجيب من حال ذلك الفريق من المسلمين، وقد دلّ قوله تعالى: (كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ) أنهم كانوا حريصين على طلب الإذن بالقتال، جريا على عادتهم في الجاهلية من إباء الضّيم والشّغف بأخذ الثّأر.

وفي أمرهم بإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة تنبيه وإرشاد إلى أولويّة الإعداد النّفسي والتّهذيب الرّوحي لأنهّما مناط الأهلية والاستحقاق للمدد الإلهي وتأييده ونصره، وكان النّاس في جاهليتهم مدفوعين إلى مواقف الحمية والاندفاع لردّ الظّلم والعدوان بدافع العصبية القبلية في أفقها الضّيق الذي لا يعرف الانضباط والتّخطيط، فاقتضت حكمة الله أن تكون تلك الفترة الإعدادية في مكة، والتي لا بدّ منها لتصحيح التّصوّرات ولتغيير الطّبائع من تعوّدها على الارتجال والاندفاع إلى تدريبها على الأناة وقوة الصّبر والاحتمال، والخضوع إلى القيادة المنظمة الواعية، وفي إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة تحقيق لذلك الإعداد الفردّي والاجتماعي.

١٬١٩٣ / ٦٬٢٠١