نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٣٢

ولمّا كان المقام مقام تعجيب من حالة هؤلاء جاءت "إذا" الفجائية لتدلّ على أن هذا الموقف لم يكن يُتوقّع منهم، سيما بعد صدور الأمر الإلهي بالقتال الذي كانوا حريصين عليه من قبل، وشتّان بين من يتحمّس بدافع من التّهوّر والارتجال، وغلبة الوهم والخيال، وعند المواجهة تفتر عزيمته وينهار حماسه، وبين أولئك الصّادقين الأوفياء ممن تدفعهم خشية الله وحبّهم إياه إلى الثبات والإقدام. وما أروع تعليل ذلك الموقف الشّائن بخشية النّاس، وهي العامل النّفسّي المثبّط والدّاعي إلى الجبن والقعود، وفي التّوجّه إلى الله ورجائهم منه تأخير فرضيته للقتال استنكار وهروب، إما لعدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال من طرف ضعاف الإيمان، وإما لبثّ الوهن في صفوف الجماعة المسلمة من طرف المنافقين.

فيجيء الجواب الإلهي المفنّد لظنونهم والمبطل لتعلاّتهم إذ لم يكن هذا الموقف منهم إلا لأنهم حريصون على الحياة، فهم يخشون الموت في مواجهة أعدائهم، يجيء الجواب الإلهي بمثل ذلك التّنظير الحكيم بين متاع الدّنيا ونعيم الآخرة، فإذا كانت الدّنيا بطولها وعرضها وامتداد أجلها النّسبّي إلى عمر الإنسان، إذا وصف ذلك المتاع بالقلّة لأنه زائل محدود فما بال عمر الإنسان القصير في أيامه وساعاته؟، وأين منها خير الآخرة الأبدّي؟، إنّه لا يدركه إلا المتقون، والمتيقّنون بالجزاء الأوفى عند الله فهم لا ينقصون من حقهم ولو مقدار فتيل، سواء حقهم في ثواب جهادهم، أو استمتاعهم بما قدّر لهم من الآجال في الحياة الدّنيا، فلا ينقص منها التّصدّي للأعداء ومقارعة الخطوب والأهوال.

١٬١٩٥ / ٦٬٢٠١