نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٣٧

(مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً):

بعد أن بيّن الله تعالى شمولية قضائه وقدره في التّأثير على الأحداث حسنها وسيئها، وأن لا دخل لأحد من مخلوقاته في شيء من ذلك إطلاقا، تجيء هذه الآية الكريمة لترفع اللّبس في ما يبدو متداخلا ومتشابكا في إرادة الله وقدره من جهة واختيار الإنسان وكسبه من جهة أخرى. ويُلحظ أن الآية لم تستعمل فيها كلمة: "عند" كما في الآية السّابقة، لأنّ هذه الآية الكريمة تتبنى النّسبة إلى الله أو إلى كسب الإنسان باعتبار ذكر المتسبّب لسبب الفعل، فالله القادر المحيط علمه بكل شيء، والمؤثر في وقوع الأحداث وفق ما سبق في علمه الأزلي، قد أوجد الموجودات ويسّر لها أسباب البقاء، وألهمها إلى سلوك طريق حياتها بما يتلاءم مع طبيعة تكوينها، وأرشدها بمختلف الوسائل والأدلة إلى إدراك المنافع والمضارّ، وكل ذلك من عند الله.

وأمّا الأخذ بالأسباب المقارنة للحوادث إن خيرا أو شرّا فذلك من سنة الحياة، فعلى الإنسان أن يأخذ بها، وقد يسّر الله له ذلك، فأرشده بنور العقل، وشرّع الشّرائع بواسطة الرّسل ليتبيّن طريقه في مسيرة حياته فلا يضلّ ولا يشقى، وبذلك أقام الله الحجة على الإنسان فإذا ما ضلّ سبيله وأصابته السّيّئات فإن ذلك راجع إلى سوء تصرّفه، إذ لم يسلك سبيل الحكمة والرّشاد. قال تعالى في سورة الشّورى: (وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30). وقال في سورة الرّوم: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَت اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

١٬٢٠٠ / ٦٬٢٠١