نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٤٧

وقد عرف المجتمع البشري هذا النّوع من الوساطة، إمّا لبعضهم بعض في شؤونهم الخاصّة، أو عند ذوي السّلطة والجاه لدفع ضرّ أو جلب نفع، وقد يقصد بها إذاية الغير وتفويت حقه. وسورة التّوبة أكثر تفصيلا للمواقف الشّائنة من طرف المنافقين، سيما في هذه الوساطة لبعضهم بعض عند رسول الله حتى يتخلفوا عن القتال، يقول تعالى: (لاَ يَسْتَاذِنُكَ الذِينَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ أَنْ يُّجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (التوبة:44 - 45).

وبمناسبة هذه الملابسة الخاصّة في الأمر بالقتال يجيء هذا المبدأ العام في أمر الشّفاعة، فالذي يحرّض على الخير ويدلّ عليه ينال من الأجر والثّواب كما يناله فاعله، والذي يسعى في سبيل الشّرّ ويستعمل وساطته وجاهه في نشره يتحمّل تبعته في ذلك من الوزر، إذ الكِفل لا يستعمل إلا في ما هو رديء من الشّرّ والشّدة. والله العليم بذات الصّدور سوف يجازي كل عمل بما يناسبه من الأجر والثّواب أو الذّنب والعقاب، وهو الحفيظ العليم القادر على كل شيء والقاهر فوق عباده.

والنّص يصوّر الفترة العصيبة التي عرفتها المسيرة الإسلامية في السّنوات الأولى ما بين غزوة "أحد" إلى "الأحزاب"، والتي يقول الله في شأنها: (هُنَالِكَ اَبْتُلِيَ المُومِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ (إِلاَّ غُرُوراً) (الأحزاب:11 - 12). فربط المؤمنين في مثل هذه المواقف بقوة الله وبأسه وتهوين بأس الذين كفروا لَهُوَ الحصن المنيع الذي يضمن لهم المناعة، ويحفزهم على الشّجاعة والثّبات، والله أعلم.

الأمر بردّ التّحية بأحسن منها

أ) - النّص:

/

١٬٢١٠ / ٦٬٢٠١