نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٤يرتبط النّص بالفاء التّفريعية وبصيغة الاستفهام الذي يدلّ على التّعجيب واللّوم: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ)، وبما أن "أل" للعهد، فمَن المقصود من هؤلاء المنافقين؟ أهم منافقو المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول كما تذهب إلى ذلك بعض الرّوايات؟، أم هم قوم من خارج المدينة تظاهروا بالإسلام، ولكنهم يظاهرون المشركين، وهو قوم لم يهاجروا مع رسول الله وأصحابه، وليس لهم عذر من ضعف أو مرض، وإنما اختاروا أسلوب النّفاق ليأمنوا على دمائهم وتجارتهم إذا التقوا بالمسلمين؟.
وفعلا فقد انقسمت الجماعة في شأنهم إلى فئتين: فئة ترى وجوب قتالهم لأنهم في الخفاء يظاهرون أعداء المسلمين ويتسترون بكلمة الإسلام، وفئة قالت حسب الرّواية عن ابن عباس: "سبحان الله! أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم نستحلّ دماءهم وأموالهم؟ ".
وتذكر الرّواية أن الرّسول عليه السلام لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء حتى نزلت الآية.
ولعل الآية اللاحقة التي تثبت عدم هجرتهم ثم التّنديد بالذين لم يهاجروا من غير عذر ترجّح المنافقين الذين كانوا خارج المدينة، والواقع التّاريخي يرجّح ذلك أيضا لما ثبت أن رسول الله لم يقاتل منافقي المدينة ولم يُؤمر بقتل أحد منهم على ما كان لهم من مواقف مخزية في غزوة "أحد" وفي حديث الإفك … إلخ.