نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٥ومعنى الهجرة قبل فتح مكة كان محدّدا واضحا بأنه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، لقد حسم الله تعالى الموقف بهذه الآية الكريمة، فأنكر على المسلمين ذلك التّردّد في شأن هؤلاء، وإن كان ذلك بدافع الاجتهاد و الرّأي منهم لا بدافع الملق والمجاملة، لأنّ الأخذ بالدّليل الضّعيف يوقع أحيانا في الخطأ الفادح سيما إذا كان الأمر مصيريا يمسّ وحدة الأمة، فكلتا الفئتين اجتهدت رأيها في الموقف الذي يتخذ أزاء هؤلاء، وموقف كلّ فئة ينمّ عن شعورها وتصورّها لحقيقة الدّين في ما ينبني عليه من الإيمان اليقيني والعمل بمقتضاه.
وظرف الجماعة الإسلامية قبل الفتح يتطلب الحزم في المواقف والوضوح في الاتجاه، ولذلك جاء النّص بهذا الاستنكار الشّديد ليحسم الموقف ويسدّ الخلل في صفّ الجماعة المسلمة ويبيّن أن الله تعالى قد أنفذ فيهم حكمه على مقتضى سننه في خلقه، فهم على الكفر والضّلالة بما كسبت أيديهم، وليس في مقدوركم أن تغيّروا سنن الله في خلقه فليس أمر هدايتهم موكولا إلى إرادتكم، بل هو من إرادة الله في تطبيق سننه، فهيهات أن يجد السّبيل إلى الهداية من اختار سبل الضّلالة والغواية.
(وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمُ (أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً):
وليت أمر هؤلاء المنافقين من الكفر والضّلال مقصور على أنفسهم، بل هم يودّون أن تكونوا مثلهم في الكفر والنّفاق، حتى لا يبقى للحقّ والإيمان أنصار، وما أنسب التّعبير بفعل: (وَدُّواْ) لتصوير الموقف النّفسّي للمنافق الجبان، فهو لا يرتقي إلى الفعل الإرادي الذي يكون عليه المسلم في ما يعتقد أنه حق وصواب.