نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٧٩وفي نفي التّساوي بين المجاهدين والقاعدين في الفضل والأجر تحريض بالفاضل وتعريض بالمفضول، وزيادة في التّوضيح والتّأكيد يجيء إثبات الفضل للمجاهدين وعلوّ منزلتهم عند الله، وفي استعارة: (دَرَجَةً) لهذا العلوّ المعنويّ ومجيئها على صيغة الإفراد والتّنكير ما يدلّ على أن المقصود بها هنا الجنسية لا العددية بدليل إتيانها بصيغة الجمع في الجملة الموالية، فهي درجات ومراتب عليا يستحقها هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم وينالونها في الدّنيا والآخرة. وقد بيّن بعضا منها قتادة بقوله: كأن يقال: الإسلام درجة، والإسلام في الهجرة درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتال في الجهاد درجة.
وقوله تعالى: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) معناه كل من المجاهدين والقاعدين يعدهم الله الحسنى. استدراك يُفهم منه أن القاعدة الإيمانية صحيحة في كلا الفريقين، غير أن التّفاضل يرتكز هنا على حجم المجهود المبذول للنهوض بتكاليف الإيمان، وحتى في صنف المجاهدين أنفسهم لا يتخلف هذا التّفاوت في الفضل تبعا لنواياهم ودوافعهم. وقد ورد في حديث رسول الله مثل هذا الاستدراك البليغ عند مقارنته بين المؤمن القويّ والضّعيف فقال: "المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف ثم قال: وفي كلّ خيرٌ".(1)
ولزيادة التّرغيب في الجهاد وتوكيد فضل المجاهدين تكررت ألفاظ الجملة مع بعض الزّيادات لبيان الأجر العظيم الموعود به وهو يشمل الجزاء الدّنيويّ بالعزة والتّمكين والأخروي بالمغفرة والرّضوان.
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، حديث 2664، 4/ 2052.