نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٠والمتأمل لهذه القصة بكل جزئياتها المفصّلة في الرّوايات المذكورة سيما رواية الإمام التّرمذي، ليعجب من الطّبيعة البشرية كيف ينتابها الضّعف أحيانا فتنساق وراء نزواتها حتى وهي تعيش في هالة من الطّهر والنّقاء بين أحضان مجتمع هو قمّة القمم في نصرة الحق والعدل، يزكّيه رسول الله ويباركه وحي السّماء، ولكنها سنة الله في خلقه، وحكمته في بيان تشريعه، وهو يسوق مثل تلك الحوادث ليعيش واقعها من أكرمهم الله بصحبة رسوله، ويتخذ منهم نماذج حيّة ناطقة لمنهج الله في تنظيم شؤون معاشهم ومعادهم، وذلك أدعى لتركيز أحكام الله وتوضيحها عند احتدام الآراء وتصارع الأهواء وصدق الله العظيم عندما قال لرسوله: (وَأَنُ َاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ) (المائدة:49). وهذا المقطع القرآني الكريم وإن جاء على الاستئناف الابتدائي فهو شديد الاتصال بما سبق من تحذير الله للمؤمنين أن يغتروا بأعداء الحق من المنافقين والكفار، وأن لا يتقاعسوا في ملاحقتهم وما تخلّل ذلك من الاستطراد لذكر أحكام قتل الخطأ والعمد، والتّحريض على الهجرة وبيان كيفية صلاة الخوف. عاد السّياق هنا إلى ذكر أحوال المنافقين في محاولة طمسهم للحق والإساءة بالأبرياء حتى يستعدّ المؤمنون لمجابهتهم ومجاهدتهم بإحقاق الحق فقال جلّ من قائل: (اِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ):