نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٠١جعل الله تعالى ما أنزله في كتابه من الأحكام المبنية على الحق والعدل بمثابة الأدوات والبيانات التي يستند إليها الرّسول في حكمه بين النّاس ليتحرّى بذلك الحق والعدل، لأن التّعبير بقوله: (بِمَآ أَرَاكَ اللهُ) عوض "علّمك" يفيد أن هذه الأحكام هي من الوضوح والقوة في الظّهور كالرّؤية البصرية التي تفيد العلم اليقين، لأنها من علم الله الذي لا يحتمل الخطأ. وليس الخطاب خاصّا برسول الله بل هو موجّه لكل من يتولّى الحكم بين النّاس، فإن النّصوص القطعية من قرآن أو سنة لا يجوز العدول عنها إلى رأي أو اجتهاد، لأنّ المجتهد يصيب ويخطئ وفق ملابسات القضية وقدرة المتقاضيين على الإفصاح بحقهما. وقد روت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النّار".(1)
(وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً): قد يخطئ الحاكم في معرفة الخائن من غيره عند التّقاضي والمرافعة، وذلك لقدرة أحد الطّرفين في الإفصاح والبيان كما تقدم في الحديث الشّريف، والمطلوب من الحاكم أن لا يغترّ بذلك، وأن يستقصي في الملاحظة والتّدقيق وعندما يكتشف وجه الخيانة عند أحد الطّرفين يجب عليه أن يسدّ عليه طريق الخصام قطعا لدابر المراء والجدال، لأن الحق لا يتجزّأ، فمن أخطأه الحق فهو على باطل مهما تمكّن من قوة الدّفاع، أو تدخلت إلى جانبه اعتبارات أخرى من وجاهة أو قرابة، فكل ميل أو انحراف إلى ممالأة الخائنين يعدّ عند الله ذنبا يستوجب التّوبة والاستغفار.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أم سلمة، كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين، حديث 2534، 2/ 952. ورواه مسلم من حديث أم سلمة، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، حديث 1713، 3/ 1337.