نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤١٢

جاء التّعبير بـ (يَفْعَلْ) في هذا الوعد الإلهي الكريم، بينما في الاستثناء قال تعالى: (إِلاَّ مَنَ اَمَرَ) ولا يمكن أن يراد بذلك مجرّد التّنويع اللّفظي، والنّكتة التي يراها الفخر الرّازي هي قوله في الموضوع: "كيف قال: (إِلاَّ مَنَ اَمَرَ) ثم قال: (وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَلِكَ)؟ والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدلّ به على فاعله، لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرّين، فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى. ويجوز أن يراد: ومن يأمرْ بذلك، فعبّر عن الأمر بالفعل، لأن الأمر أيضا فعل من الأفعال".(1)

قلت: إن الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فرض كفائي، لابد أن تتكفل به طائفة من المجتمع المسلم كما ورد في قوله تعالى من سورة آل عمران: (وَلْتَكُن مِّنْكُمُ (أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104). وذلك لا يتمّ إلا بالنّصح والإرشاد بقول مخلص وتوجيه حصيف من طرف الوعّاظ والمرشدين. فهم وإن كانوا محلّ قدوة في سلوكهم وأعمالهم فإن وسيلتهم للإبلاغ ترتكز على البيان والإفصاح. ولهم في ذلك أجران: أجر الأمر والدّعوة وأجر العمل والتّطبيق، لأن الدّال على الخير كفاعله. وفي غالبية الأحوال لا يكون الآمر النّاصح والدّاعي إلى الخير إلا خيّرا في سلوكه وعمله.

ولو لم يتنوّع الوعد الإلهي بالفعلين: "أمر" و"يفعل" لانحصر الأجر في أحدهما، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا. إلا أن الثّواب لا يتحقق في كلتا الحالتين إلا بإخلاص المسعى لله تعالى وحده بعيدا عن الرّياء والسّمعة أو تحقيق المنافع الدّنيوية العاجلة. لقوله تعالى: (قُلِ اِنِّيَ أُمِرْتُ أَنَ اَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنَ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزمر:11 - 12).

(1) 1 - الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 11/ 42.

١٬٢٧٥ / ٦٬٢٠١