نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٠كل الأحكام المفصّلة من أول السّورة وما تخلّلها من ذكر أحوال أهل الكتاب والمنافقين والتّحريض على الجهاد، ثم التّذكير في الآيات القريبة بوجوب مراعاة حقوق النّساء واليتامى، كل ما تقدم من هذه الآيات يهدف إلى إنصاف النّاس في حقوقهم وإقامة العدل بينهم، فجاءت هذه الآية لتؤكد ذلك بهذا الأمر الإلهي العامّ بالقيام على العدل في جميع التّكاليف بمعايير شرع الله الحنيف، لا بداعية الهوى لرغبات النّفس أو عاطفة القرابة.
وتوجيه الأمر بعد نداء الإيمان يوحي بأن للإيمان أثره البالغ في انتهاج سبل الحق والعدل، لأنه يجعل العبد المؤمن يتّصل بمصدر العدل والحق ذي العظمة والجلال القائم بالقسط. قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ للهِ).
والإتيان بصيغة المبالغة: (قَوَّامِينَ) مع فعل الكون: (كُونُواْ) هو أبلغ تعبير في تحصيل هذه الصّفة والعناية بها بحيث تصبح ملكة راسخة في نفس الموصوف بها، ولم يذكر موضوع القيام بالقسط ليعمّ بذلك كل الأحوال والأعمال عند القضاء في أمورنا والقيام بتكاليفنا. وقوله بعد ذلك: (شُهَدَآءَ للهِ): جمع "شهيد" وهي أيضا صيغة تدلّ على الصّفات الرّاسخة. ومعنى كون الشّهادة لله أن يتحرّى الشّاهد الحق وفق ما يرضى الله؛ وذلك بتطبيق أحكامه وامتثال أوامره، لأن الحق لا يتعدّد فماذا بعد الحق إلا الضّلال؟.