نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٤وبناء على ما تقدم من تشريف الله للجماعة المسلمة بمثل هذه النّداءات، فإن أغلب المفسرّين رجحوا القول الأول، وعندئذ يتخذ أمرهم بالإيمان مسالك متعدّدة كلها واردة محتملة، تهدف كلها إلى التّذكير بأصول الإيمان بما ذكر حتى لا يغفلوا ولا يقصّروا في واحدة من تلك الأصول فيكونون كالذين قال الله فيهم: (أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة:85). إما بدافع التّقليد لأهل الكتاب، وإمّا لرواسب جاهلية ما تزال بعض آثارها في نفوس حديثي العهد بالكفر، ومن شأن هذا التّذكير أن يثبت المسلمون على الإيمان الصّحيح ويداوموا عليه مهما تغيّرت عليهم الأحوال وطال عليهم الأمد، وقد تقدمت هذه الأصول كلها في سورة البقرة عندما وصف الله الرّسول والمؤمنين وصف مدح وثناء فقال تعالى: (-امَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ -امَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْ رُّسُلِهِ) (البقرة:285).
والفرق بين الآيتين أن هذه الأصول ذكرت هناك في معرض الإيمان بها ورجاء المغفرة من الله، أما هنا فقد جاءت في معرض التّهديد لمن يكفر بها مع زيادة عنصر الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر إيمان بالغيب لا يكون إلا عن طريق الوحي، ومتى حصل الإيمان بالله والكتب والرّسل استتبع ذلك -لا محالة- الإيمان بالملائكة واليوم الآخر.
قال تعالى: (اِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ اَزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً):