نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٢(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ): الآية جاءت تتمة لبيان أحوال المنافقين المهدّدين بالعذاب الأليم في الآية السّابقة، وأكدت بـ"أن" لتحقيق حالهم المخزية حتى يعرفهم الناس، ومن أشهر صفاتهم الخِداع، وهو يعتمد على الكذب والحيلة في إخفاء الحقيقة، ولما كان الخداع أمرا مذموما لا يمكن إسناده لله تعالى، ولا يمكن صدوره من المؤمنين الأوفياء فقد لجأ المفسّرون إلى توجيه المعنى بالتأويل وتقدير مضاف محذوف، أي لفظ الرسول على اعتبار قوله تعالى: (مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النّساء:80). وقوله: (اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) (الفتح:10).وأما خداع الله لهم فزيادة على المشاكلة اللفظية، فهي تعني استدراج الله إياهم بما هم فيه من السّلامة والأمن على دمائهم وأموالهم بالنّفاق، حتى إذا اطمأنوا لرواج خدعتهم، كشف الله سرائرهم فينتهون إلى الخزي والعار في الدّنيا وإلى العذاب الأليم في الأخرى، كما توعّدهم به في الآية اللاّحقة.
وأحسن توجيه لهذه الآية ما قاله صاحب الكشاف أن "يخادعون" استعارة تمثيلية، تشبيها للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإبقاء عليهم ومعاملة المؤمنين في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئةِ فعل المتخادعين.
(وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى): هذه هي الصّفة الثّانية التي تدلّ على انعدام الإيمان الجازم منهم، فهم لا يقيمون للعبادات وزنا ولا يرجون بها ثوابا، وقد خصّ الله الصلاة من أنواع العبادات لأنها هي عماد الدين، فعلى قدر حرص المؤمن عليها إقامة وأداء شرعيا كاملا يكون على ما سواها أحرص. وسبب كسل المنافق في أداء الصلاة هو عدم تعظيمها وإعطائها ما تستحقه من العناية والصّبر.