نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٧٠

بل إنه تعالى لا يحبّ سوء القول سواء أكان جهرا أم سرّا، ألا ترى كيف نهى الله عن النّجوى إلا ما كان في سبيل التّعاون على البرّ والتّقوى، واستثنى الله المظلوم يجهر بالشّكوى شارحا ظلامته لمن يحفظ حقه من أولي الأمر، لأن السّكوت على الظّلم يورث الذّلة ويجرّئ الظّلمة على التّمادي على البغي والعدوان، والإسلام يأبى الضّيم ويحرم الظّلم.

وإذا اعتبرنا الاستثناء متصلا، فإما أن نقدّر في المستثنى مضافا إليه يكون مصدرا ليتوافق مع مصدر المستثنى منه فيكون التّقدير: لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلا جهرَ من ظُلم. وإما أن نؤوّل المصدر في المستثنى منه على أنه أقيم مقام الفاعل، أي على تقدير: لا يحبّ الله المجاهر بالسّوء إلا من ظلم. وكلا التّقديرين جائز.

والإذن للمظلوم بأن يجهر بحقه من تمام العدل، إذ يكفل للمواطن حقه في الدّفاع عن نفسه، فلا تكبت الحريّات ولا تضيع حقوق الإنسان، وكانت تلك سياسة رسول الله عليه السلام في سماع شكوى المظلومين عندما تندّ بالبعض ألسنتهم فيجاوزون اللياقة الأدبية ويغضب لذلك من حضر من الصّحابة فيقول لهم: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا».

فكلّ من الجهر بالسّوء والسّكوت عن الظّلم مفسدة ولكن ارتكاب أخفّ الضّررين لا مناص منه في مثل هذا الموقف، وهو ضرورة ملحّة لصيانة حقوق النّاس وصيانة سلامة المجتمع. ولكن الضّرورة تقدّر بقدرها، فلا يجوز الإفراط في التّشهير بالظّالم ولا تتعدّى الشّكوى لغير المظلوم، والذي يضبط هذا المنحى في التّقاضي والتّظالم إنما هو تقوى الله واليقين بصفاته العليّة، بأنه سميع عليم بالنّيات والمقاصد، وبالمناهج والوسائل.

ثم قال تعالى: (اِن تُبْدُواْ خَيْراً اَو تُخْفُوهُ أَو تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً):

١٬٣٣٣ / ٦٬٢٠١