نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٩يقصد بجملتي: "لا يحبّ الله كذا" أو "يحبّ الله كذا" يقصد بهما لازمهما من رضى الله وغضبه، وما يترتب عنهما من الإثابة أو العقوبة، إذ تستحيل على الله ظواهر الرّضى والغضب من الانفعال النّفسيّ المعهود لدى البشر وبالتّالي فهما يفيدان النهي أو الأمر حسب القواعد الأصولية التي يحدّد حكمهما من التّحريم أو الوجوب ومن الكراهية أو النّدب والاستحباب، فالله تعالى لم يأذن لنا بأن نجهرَ بالسّوء سواء كان فعلا أو قولا لما في ذلك من الفساد الاجتماعي كما تقدّم في الإضرار بعلاقات النّاس، وِلما في ذلك من التّأثير السيّئ عن طريق التّقليد في قلوب النّاس سيما في الأغرار الصّغار، وقد روى الإمام التّرمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوى بها سبعين خريفا في النّار»(1)
فإذا نهى الله عن الجهر بسوء القول فالنّهي عن عمله من باب أولى، وإنما خصّ بالذّكر سوء القول لأن فساد الأعمال ينجرّ عن فساد الأقوال وأول الشّرّ يبدأ بالكلام الخبيث الذي تنعكس آثاره السّيئة في نفوس السّامعين، ثم تتحوّل تلك الأقوال إلى حيّز التّطبيق عندما تتعوّدها النّفس وتستسيغها. وصدق الله مولانا العظيم في ضربه لمثل الكلمة الطّيبة والكلمة الخبيثة فقال عزّ من قائل في سورة إبراهيم: (اَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ، تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاَمثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) (إبراهيم: 24 - 25 - 26).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، حديث 2314، 4/ 557. وقال: حديث حسن.