نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

غير أن الذي عاناه بنو إسرائيل من ويلات فرعون وأعوانه كان هو الثمن الواجب دفعه للانعتاق والخلاص، فتلك هي سنة الحياة في الإصلاح والتغيير وذلك هو الطريق الواجب لنصرة الدعوات الصالحة: (وَفِي ذَلِكُم بَلآَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)، والله تعالى يبلو عباده بالخير والشر للتمحيص والاختبار، وقد وصف الله ما حدث لهم بالبلاء العظيم، وأنه تمّ بعلم الله وقدره لما في ذلك من صنوف التربية لهذا الشعب الذي أعدّه الله لرفع راية التوحيد بعد طغيان الوثنية والفساد في الأرض كما قال تعالى في سورة القصص: (يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَهُمُ، إِنَّهُ، كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 04).

وقال تعالى في بيان النعمة الثانية:

ب) - (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ): وهذا بيان للإنجاء النهائي من مصدر عذابهم فرعون وآله، وذلك بعد خروجهم من مصر واتجاههم نحو الأرض المقدّسة، فقد أجمل الله ما فصّله في الآيات الأخرى، سيما في سورة الأعراف والشعراء.

وحادثة فرق البحر ببني إسرائيل -أي البحر الأحمر- كانت أعظم معجزة لموسى عاينها بنو إسرائيل وعاشوها بكل ما فيها من عجائب قدرة الله، إذ كان البحر سببا لإنجائهم وهم يعبرونه في وسط الطريق اليبس وقد ارتفعت عن يمينه ويساره حواجز الماء، حتّى إذا صار موسى وقومه على الضفة الأخرى من البحر وفرعون وجنوده وسطه أطبق عليهم الموج فكانوا من المهلكين: (فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)، وللجملة الحالية: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) وقعها الشديد في التذكير بهذه الحادثة التي وقعت لأسلافهم، وذلك بإسناد النظر إلى الأخلاف المخاطبين، حتى لكأنهم هم الذين عايشوها وعاينوها، دفعا لهم إلى التصديق بما حدث، لأنه كما قيل "ليس الخبر كالعيان".

١٣٧ / ٦٬٢٠١