نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٣٨ج) - (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنم بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ مِّنم بَعْدِ ذَالِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):
قصة انتكاس بني إسرائيل إلى حضيض الوثنية بعبادتهم للعجل عند غياب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه، هي مفصّلة في سورتي "الأعراف" و"طه"، وتذكيرهم بها هنا مجملة جاء في معرض التذكير بمختلف نعم الله عليهم، ففي هذه الحادثة من عبادتهم للعجل وتكفيرهم القاسي كما فعلوا ليتوب الله عليهم -وهو النعمة المقصودة بالتذكير- يأتي التمهيد لها بقوله تعالى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) إذ كانت تلك المواعدة بأمر من الله تعالى لإعطاء موسى شريعة التوراة، وتلك نعمة كبرى تستحق شكرهم، لأن التوراة هي مصدر هدايتهم، ومناط عزتهم وكرامتهم ولكنهم قابلوها بالجحود والكفران، عند غياب موسى عنهم، فنقضوا ما وصّاهم به من الثبات على الإيمان بوحدانية الله، وعبدوا العجل منتكسين إلى وثنية من نجاهم الله منه، إذ كان فرعون وقومه يعبدون الأبقار، وبضدّها تتميّز الأشياء.
وللدلالة على عظم الجرم الذي ارتكبوه بعبادة العجل، جاء التذكير بأعظم نعمة امتن الله بها عليهم وهي قوله تعالى بيانا لما تمّ في المواعدة: (وَإِذَ -اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
فالشرك بالله ظلم عظيم، ويكون أعظم إذا حدث ممن أنعم الله عليه بنعمة الهداية والإيمان ثم انتكس وارتدّ، ولذلك قال: (وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) وعلى قدر الجرم تكون عقوبة التكفير وقيمة التوبة والعفو.