نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٥ · صفحة ٣٧

(الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ): يلاحظ توسّط هذه الآية بين المحرّمات المفصّلة في ما سبق وبين الآية المرخّصة لبعض الحالات من قوله تعالى: (فَمَنُ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

وباعتبار الظّرف الزّمني التي نزلت فيه-وهو يوم عرفة في حجة الوداع على الأرجح- يلاحظ أن في ذلك نوعا من أسلوب التّدرج في تشريع الأحكام التي تحمل المؤمنين على نوع من الشّدة والصّرامة في مواجهة العادات والتّقاليد الفاسدة لدى الجاهليين والذين كانت تراودهم الأماني قبل فتح مكة، أن سوف يرتدّ عن الإسلام كثير ممن يجدون في أحكامه كثيرا من الإعنات والحرج، سيما في تغيير المألوف والخروج عن تقاليد المجتمع، فكانت هذه الآية بمثابة شد الأزر والتّثبيت للصفّ المؤمن وقد أصبحوا في عزّة ومنعة، إذ انهارت معنويات المعسكر الكافر وراح يجرّ أذيال الخيبة وركبه اليأس والإحباط من تراجع الدّين أو انخذال أصحابه بعد ما أخلصوا ولائهم لله وأفردوه بالخشية والتّقى، وهو موقف جدير أن يشكروا الله عليه وهو وليّ نعمتهم التي تتمثل في هذا الثّالوث المبارك بفضل الله وفيض رحمته.

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِيناً): تكرار لفظ "اليوم" لتعداد منن الله في معرض التذكير والإيناس والتثبيت، والتعبير بالإتمام للدين، ليس المقصود أن الدين كان قبل ذلك ناقصا، لأن نزول أحكام مقسّطة كان لفائدة التدرج مع مراحل نمو الجماعة الإسلامية واتساع دائرتها شيئا فشيئا، فكان يتنزل من القرآن ما تدعو إليه الحاجة في كل مرحلة، إما تأسيسا لنظم جديدة تقتضيها مرحلة معيّنة أو تغييرا لبعض الأوضاع الفاسدة بإيجاد بدائل لها تدعو إليها الفطرة السليمة.

١٬٤٠٠ / ٦٬٢٠١