نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٥ · صفحة ٤٠(قُلُ اُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): اختار الله تعالى هذا الوصف للأطعمة المحلّلة، وهو ما طاب منها ويستسيغه الذّوق السّليم وتستلذه النّفوس مما يكون به الغذاء كاملا، ولما كان ضبط وصف الطّيب في الأطعمة مما تختلف فيه الطّباع والأذواق، كما تختلف فيه عادات النّاس حسب البيئات التي يعيشون فيها، فقد اختلف العلماء في ضبط ذلك، أيُنظر في ذلك إلى طباع العرب وبخاصة أهل الحجاز، إذ تنزّل القرآن بلغتهم؟ أم ينظر فيه إلى السّواد الأعظم من سليمي الطّباع؟ وللشيخ ابن عاشور ملحظ جيّد في هذه القضية، وأورد هنا مثالا على ذلك من حديث خالد بن الوليد، حين استقذر الرّسول أكل الضّبّ على عادة أهل الحجاز، ولكن الرّسول لم يحرّمه، بل قال لخالد: «ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه»(1)
يقول الإمام ابن عاشور رحمه الله: "والذي يظهر لي أن الله قد أناط إباحة الأطعمة بوصف الطّيب، فلا جرم أن يكون ذلك منظورا فيه إلى ذات الطّعام، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين، وأمارة هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين، وأن يكون مقبولا عند المعتدلين من البشر، من كل ما يعدّه البشر طعاما غير مستقذر، بقطع النّظر عن العوائد والمألوفات، وعن الطّبائع المنحرفات، ونحن نجد أصنافا البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات، ويترك بعضهم ذلك البعض".(2)
(1) 1 - رواه مسلم من حديث ابن عباس، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضّب، حديث 1945.
(2) 2 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 6/ 112 - 114.