نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٥ · صفحة ٤١قلت: ومما عافه الرّسول أكله من النّبات ولم يحرّمه الثّوم والبصل والكراث، تجنبا لإذاية النّاس برائحتها، وكره على آكليها أن يؤذوا النّاس في المساجد برائحتها، وأرى أنه من سماحة الإسلام ورحمة الله بعباده أن تحصر المحرمات من الأطعمة في تلك الأربعة الوارد ذكرها في سورة البقرة والمائدة والأنعام والنّحل، ومع هذا التّفصيل الذي ورد في هذه السّورة الكريمة لبعض ما يطرأ على الأنعام مما يجعلها محرمة، فعلى العكس من ذلك ما أحلّه الله فقد جاء مجملا في هذا الوصف (الطَّيِّبَاتُ) حتى لا يتحرّج النّاس من أكل ما كان يحرّمه الجاهليون وفق تقاليدهم وطقوس دينهم ما أنزل الله بها من سلطان، ذلك لأن الأصل في الأشياء الطّهارة والحليّة ما لم يثبت دليل شرعي على نجاستها أو تحريمها.
(وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ): معطوف على: (الطَّيِّبَاتُ) من باب عطف المفرد على المفرد، والمعنى بدون تقدير: أن الله تعالى أحلّ لكم تعليم تلك الحيوانات وترويضها للصيد، واسم الفاعل من التّكليب الذي يقع موقع الحال جيء به لإفادة نوع ذلك التّعليم والهدف منه بأن يكون لقصد الصيد، كما أن جملة: (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) جاءت بصيغة المضارع لتفيد الدّوام والاستمرار في هذه العملية التي تتطلب نوعا من المهارة، لا تتأتى لكل واحد، لأنها من الصّفات الكسبية يهبها الله لمن يشاء، فالجارحة التي تقتني للصيد من حيوان أو طير تكون مميزة عن أصنافها، ثم هي تتطلب نوعا من الدّربة والتّرويض بأسلوب خاصّ لا يتقنه كل النّاس، فهي إذن لها قيمة مادّية للبيع والشّراء والاقتناء أحلها الله، وبعض المفسّرين قدروا كلمة "صيد" أي أحل الله لكم صيد ما علمتم من الجوارح … الخ.