نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٥ · صفحة ٤٤

والطّعام هو ما يطعمه الإنسان ويأكله، وظاهر اللّفظ يدل على عموم أنواع أطعمتهم غير أن جمهور المفسرين يرون أن المقصود به هي ذبائحهم، إذ تحتاج إلى حكم الدّين لأن عاداتهم فيها مخالفة لعادات المسلمين، وبالتّالي يدخل في ذلك صيدهم، والمقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنّصارى، أي هم أتباع التّوراة والإنجيل بقطع النّظر عن أجناسهم، أكانوا عربا أم عجما أم زنجا، إذ يرى سيدنا عليّ -كرّم الله وجهه- بأن عرب تغلب -وهم نصارى- لا تجوز ذبائحهم وعلّل ذلك بأن بني تغلب، لا يعرفون من النّصرانية شيئا سوى شرب الخمر، يقول الإمام ابن عاشور: "وحكمة الرّخصة في أهل الكتاب، لأنهم على دين إلهيّ يحرم الخبائث ويتقي النّجاسة، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متبعة لا تظن بهم مخالفتها، وهي مستندة للوحي الإلهي، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان".(1)

وقد اختلف العلماء في هذه القضية بين مشدّد في اتخاذ قيود لذلك لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وبين آخذ للحكم على عمومه تمشيا مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه، وفي المذهب الإباضي أورد مثالين لذلك إتماما للفائدة وهما نموذجان يصدقان على المذاهب الأخرى في هذه القضية، وأشدّها في الضّوابط والقيود علماء الشّيعة، يقول الإمام عبد الله بن حميد السّالمي، وهو من كبار علماء الإباضية في عمان، يقول لسائله عن أكل ذبائح النّصارى: "في هذا الوقت أيجوز إذا غاب ذبّاحهم، وكذلك طعامهم الرّطب مثل الحليب الذي يباع في آنية مختوم عليها، لأني سمعت أحدا من النّاس يتكلم بتحريم ذبائحهم وأطعمتهم الرّطبة، والله تعالى لم يخصّ وقتا دون وقت أباح لنا أكل طعامهم، وهل هذه الإباحة مقيدة بحال صلحهم للمسلمين؟ أم في صلحهم وحربهم، وهل هم الآن حرب للمسلمين أولا؟." انتهى السؤال.

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 6/ 120 - 121.

١٬٤٠٧ / ٦٬٢٠١