نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٥ · صفحة ٥٢

غير أن لصاحب المنار ملحظا آخر لا يقلّ لطافة عن المتقدم، إذ يقول بعد مناقشته للإمام الرّازي: "والذي أراه أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثين اللّذين هما سبب الطّهارتين، هما أثر الطّعام والنّكاح، فلولا الطّعام لما كان الغائط الموجب للوضوء، ولولا النّكاح لما كانت ملامسة النّساء الموجبة للغسل".(1)

قلت: إن صاحب المنار اقتصرت ملاحظته على الحكم الفقهيّ لموجبات هذه الطّهارة، ولعل الأنسب أن نقول في هذا المقام أن الله تبارك وتعالى لما فرغ من بيان أحكام الطّعام والنّكاح وهي متع جسدية مادية انتقل إلى بيان ما تتمّ به المتعة الرّوحية بمناجاة الله في الصّلاة، ليستكمل بذلك حاجات هذا الإنسان في تكوينه المزدوج، والطّهارة من الحدث بالماء الطّهور أو بالتيمّم عند وجود الضّرورة، إنما شرعت لتمثل ذلك الاستعداد الرّوحي عند المؤمن وهو يتهيّأ لمناجاة ربّه بقلب خاشع ولسان ذاكر، ومن ثمّ شرع الغسل لتلك الأعضاء التي كان الإنسان يمارس بها نشاطه الدّنيوي والتي يقول عنها الرّسول أن الخطايا التي ارتكبها الإنسان بها تذهب مع ماء الوضوء(2).

ثم إن تكرار النّداء بالصّفة الإيمانية للمخاطبين في هذه الأحكام وما تقدمها يؤكد الشّمولية والتّكامل في أحكام الدّين، فلا انفصام ولا تمييز بين الحياة المادية أو الرّوحية للمؤمن.

(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 6/ 220.

(2) 2 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، حديث 244، 1/ 215.

١٬٤١٥ / ٦٬٢٠١