نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٥ · صفحة ٩١فبعد تلك المقدمة المؤثرة من طرف سيّدنا موسى -عليه السلام- وهو يلاطف قومه ويذكرهم بنعم الله عليهم، انتقل إلى الغرض المقصود، وهو الدخول إلى الأرض المقدسة، وبنفس الملاطفة تكرر نداؤه («يا قوم»، جاء الأمر بالدّخول إلى الأرض المقدسة، وأن الله تعالى قدّرها ملاذا لهم ووعدهم بالظفر بها بعد شيء من الجهد والتّضحية، ولم يعيّن النّصّ موقع تلك الأرض، إلا أن وصفها بالقداسة، وللقداسة أسبابها وميزاتها، فقد اجتهد المفسّرون في تعيينها وتحديدها استنادا إلى بعض الرّوايات النّقلية من أحاديث أونصوص من التّوراة، فهم وإن اختلفوا في رسم خريطتها ضيقا وسعة وحدودا، يتفقون كلهم أنها واقعة في أرض الشّام على المصطلح القديم قبل الحدود المصطنعة المعروفة اليوم، وبالتّالي فهي ما نعرفه اليوم بفلسطين وشرق الأردن، وهم يسمونها بأرض الميعاد، لأن الله وعد بها ذرية إبراهيم، ولا يفهم من قوله تعالى: (التِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): أنهم باقون فيها إلى الأبد، لا يزاحمهم فيها أحد، كما يعتقد بذلك اليهود، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الاَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128). ويقول لبني إسرائيل أنفسهم على لسان موسى: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمُ (أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129).
والاستخلاف في الأرض بالعزة والتّمكين يخضع لأسباب يجب توفّرها والتّزامات يجب الوفاء بها، وهي في حق المؤمنين بالله ألزم وأوكد، وقد لخصت آية النّور تلك الالتزامات في قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور:55).