نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٥ · صفحة ٩٢

هذا وعد الله لبني إسرائيل على لسان سيدنا موسى وهو يعد ويتوعّد، (يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الاَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ): ولكن أنّى لهؤلاء أن يدفعوا ضريبة السّيادة والعزّة وفي دمائهم جينات الجبن والذّلّ نمت وترعرعت في حضن فرعون وجبروته، وهم يشكون لموسى تبعات الإيمان بقولهم: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) (الأعراف:129). بل يريدونه نصرا ودخولا ولا مشقة فيه ولا خطر.

(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنْ يَّخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ): عرف القوم من خلال الرّجال الإثني عشر الذين بعثهم موسى لاستطلاع أحوال تلك الأرض، عرفوا خيراتها ومناعة أهلها، إذ كانوا في بسطة من قوة الأجسام، ومن الشّجاعة والإقدام حسب ما وصفوا به في أسفار التّوراة، وكان اليهود يغالون في أوصافهم عندما يذكرونهم للمسلمين، وقيل أنهم سلالة لقوم عاد الذين وصفهم الله بالجبروت في بطشهم في سورة الشعراء: (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (130). وهكذا امتنع القوم من دخول تلك الأرض خوفا من العدو القويّ، وأكّدوا امتناعهم هذا بعدة مؤكّدات تدلّ على أن سبب الامتناع هو ذلك الخوف المستكنّ في دمائهم، وقولهم: (فَإِنْ يَّخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ): يدلّ على أنه إذا زالت العلّة بخروج القوم منها، فإنهم سيدخلونها، لأنهم لا يقصدون بذلك مجرّد العصيان لأمر موسى، وإنما هو الضّعف والخور والجبن، جعلهم في وضعية تصغر فيها نفوسهم عن عزائم الأمور، فكيف بخوض المعارك ومنازلة الأعداء؟؟

١٬٤٥٥ / ٦٬٢٠١