نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٥ · صفحة ٩٣وهنا تبرز خسيستهم بضعف إيمانهم وشكّهم في وعد الله حتى بوجود موسى معهم، وهو في كل ضائقة مرت عليهم في مسلكهم بصحراء «سيناء»، يدعو ربّه فيستجيب بما لا يدع شكّا في قدرته وصدق وعده.
(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا اَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ): في وسط الظّلمة الحالكة ينبثق بصيص من نور يهدي السّالكين ومن صفوف الجماعة المستكنة الخائفة تبرّز بعض النّفوس الثّابتة المطمئنة، ولا يكون الاطمئنان والثّقة بالنّفس إلا في ظل الإيمان، ولا إيمان ممن يشرك في حبّه لله أحدا، أو يخشى غيره أحدا، فهذان الرّجلان من قوم موسى قد تحققت فيهما تلك الصّفات من الإيمان والخوف من الله، وهما من أجلّ نعم الله على عبده، ومتى تمكّن ذلك الإيمان من قلوب أصحابه، فإن معاني القوة والجبروت في النّاس لا يكون لها وقعها المربك المورث للجبن والخوف، لأن صفة القوة والجبروت لا تتحقق عندها إلا لجبّار السّماوات والأرض، ومن ثمّ لا يطلب المؤمن من غير الله سندا ولا ملاذاً عند مواطن الشّدة والبَأس.
(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ): وإلى جانب هذه القوة المعنوية التي يجب أن تتوفّر في الجنديّ، لا بدّ من توفّر الحنكة الحربية لمباغتة العدوّ في عقر داره، ولم يفقد الرّجلان المؤمنان تلك الحنكة حين أرشدا قومهما لدخول باب المدينة على العدوّ، لأن ذلك كاف لانهيار تحصيناته وانكسار معنوياته: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُون).