نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٢١

إن المفسّرين حاولوا إيجاد المناسبة بين هذه الآية، وما يكتنفها من الأحكام الخاصة بالحرابة والسّرقة، ولكل منهم وجهة نظر واجتهاد لا نجد فيه تناقضا أو تباينا، بل هي في أغلبها متقاربة المعنى، والله أعلم بمراده، ويعجبني منها ما أورده سيد قطب في ظلاله، وهو يبني تحليله على مقولة: «يزع الله بالسّلطان ما لا يزعه بالقرآن»، بعد بيانه لحكم الحرابة السّابق لهذه الآية، يقول: «والمنهج الربّاني لا يأخذ النّاس بالقانون وحده، إنه يرفع سيف القانون ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلا السّيف، فأما اعتماده الأول فعلى تربية القلب، وتقويم الطّبع، وهداية الرّوح، ذلك إلى جانب إقامة المجتمع الذي تنمو فيه بذرة الخير وتزكو، وتذبل فيه نبتة الشّرّ وتذوى، لذلك ما يكاد ينتهي السّياق القرآني من التّرويع بالعقوبة، حتى يأخذ طريقه إلى القلوب والضّمائر والأرواح، يستجيش فيها مشاعر التّقوى؛ ويحثها على ابتغاء الوسيلة إلى الله والجهاد في سبيله رجاء الفلاح ويحذّرها عاقبة الكفر به، ويصوّر لها مصائر الكفار في الآخرة تصويرا موحيا بالخشية والاعتبار» اهـ.(1)

(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): يتوسط هذا النّداء الإلهي بين حكم الحرابة والسّرقة، وهما انحراف عن الفطرة السّليمة، وبالتّالي هما محادّة لله في مخالفة أحكام شريعته، وانتهاك لحقوق عباده، لأن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أو الذين يسرقون، هم لا يقدمون على ذلك وفي قلوبهم أثارة من خشية الله والإيمان به، ذلك لأن البهيمية قد استحوذت على نفوسهم وحجبت عن قلوبهم أنوار الهداية، حتى لم يعد فيها ذكر لله ولا أثر لخشيته وقد قال رسول الله: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن».(2)

(1) - الظلال ج06 ص144 - 145.

(2) – الحديث.

١٬٤٧٩ / ٦٬٢٠١