نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣٠إن هذه القصص المختلفة التي ذكرها الرّواة في سبب النّزول نستطيع أن نستدلّ بها، على مناسبة هذا النّصّ لما سبق فقد ذكر الله قبل ذلك حدّ الحرابة والسّرقة، وهذا النّصّ يشير إلى تلاعب اليهود في محاولتهم كتمان نصّ الرّجم للزّاني المحصن، وهو الثّابت في كتابهم، وبما أن هذه الحادثة في سبب النّزول كانت بسبب تقاضي اليهود إلى رسول الله في ما اختلفوا فيه، فقد مهّد الله بها لمعالجة قضية الحكم والسّياسة والتّقاضي في المنهج الإسلامي بأن يكون وفق ما شرعه الله من الأحكام عن طريق الوحي، وأن ليس هناك تعارض في الدّيانات الثّلاث، حين يلتزم أتباعها بشريعة الله ويرتضونها دستورا ومنهاجا يحتكمون إليه.
وحين يختلف النّاس وتتصارع أهواؤهم بتعارض مصالحهم وقد ضعف فيهم الوازع الدّيني، فإن الأحكام الشّرعية لا تجد في نفوسهم الرّضى والقبول لها، فيحاولون التّملّص منها بمختلف الحيل والتّأويلات، وقد وقع اليهود في هذا المحذور كما وقع فيه مسلمو اليوم، فليس احتكام اليهود إلى رسول الله التّماسا منهم لوجه الحق، ولا تصديقا برسالته، بل يندرج ذلك في مخطط مؤامراتهم الدّنيئة لاختبار الرّسول-عليه السلام- في ما يدّعيه من الوحي، إمّا بتوجيه أسئلة معجزة يعرفون هم أجوبتها بما عندهم من أخبار التّوراة، وإمّا بإخفاء بعض الأحكام منها لا يعرفها إلا خاصّة أحبارهم، وبما أن المنافقين هم الأبواق التي تروّج الأكاذيب والإشاعات فقد اقترن ذكرهم مع اليهود، وسواء كانوا من العرب أو اليهود الذين أظهروا الإسلام نفاقا، فكلا الفريقين يسارعون في الكفر.