نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٨

(فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ): أي إذا كان القرآن بالمنزلة التي شهدنا له بها فاحكم -أيها الرّسول- بين من جاءك من أهل الكتاب أو غيرهم من النّاس المتحاكمين إليك، احكم بما أنزل الله إليك في هذا القرءان، سواء وافق ما في الشّرائع السّابقة كالرّجم و القصاص، أو خالفها في بعض الأحكام الأخرى، إذ شريعتك جاءت مهيمنة على شريعتهم، فلا تعدل عنها قيد أنملة إتباعا لهواهم أو تملّقا لعواطفهم، فإن النّاس منذ وجدوا على ظهر الأرض، كان بينهم حاكمون و محكومون في تنظيم أحوال معيشتهم، قد درجوا على التّملّق و الزّلفى و الإغضاء عن تطبيق بعض الأحكام أو القوانين، أو تأويل نصوصها وفق الرّغبات و الشّهوات.

و الرّسول في مسار دعوته كان الحريص على المؤمنين في معاملتهم بالحسنى حتى لا يفتنهم عن دينهم عرض من الدّنيا، و كان الحريص على الاستكثار من أتباعه، يأتلف قلوب أعدائه بمختلف الوسائل، و لكنه لا يساوم أحدا في دين الله.

فإذا عرفنا أن اليهود -حسبما تذكره بعض الرّوايات- قد عرضوا على الرّسول أن يؤمنوا به، إن هو تسامح معهم في الأحكام وفق ما يشتهون، علمنا فائدة هذا الأسلوب من الإرشاد الإلهي لرسوله بصيغتي الأمر و النّهي: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ): فلا مساومة في دين الله و لا تملّق في تطبيق أحكام الله مهما كانت الملابسات و الاعتبارات، لأن الحاكم في الإسلام يجب أن يأخذ كتاب الله بقوة و حزم حتى يقطع الطّريق عن الطّامعين و الانتهازيين.

١٬٥٠٦ / ٦٬٢٠١