نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٥٥وحتى يطمئن الرّسول إلى هذه الحقيقة الوجودية في واقع حياة النّاس، ولا تأخذه لذلك لوعة ولا أسى يجيء هذا الحكم العام: (وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ): ينحرفون عن صراط الله السّويّ أي صار الفسق والانحراف شأن الكثير منهم لا ينفكّون عنه ولو حرصت أنت على استقامتهم. وما أكثر النّاس -ولو حرصت- بمؤمنين. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟؟ وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ): القراءة بضمير الغيبة: (يَبْغُونَ): حكاية من اليهود المتحدث عنهم. أو بضمير المخاطب: (تَبْغُونَ): على طريقة الإلتفات. والاستفهام للإنكار والتّعجيب وهو يتضمّن التّوبيخ لأهل الكتاب في اختيارهم لحكم الجاهلية وبين أيديهم التّوراة فيها حكم الله، والحال أن حكمه هو العدل لما به من إنصاف لحق الضّعيف وتركيز للعدالة الاجتماعية، ومحاربة لكل أنواع الفساد الذي درجت عليه الجاهلية في كل زمان ومكان، والتي يقول عنها السّيد قطب -رحمه الله- في ظلاله:"إن معنى الجاهلية يتحدّد بهذا النّصّ. فالجاهلية –كما يصفها الله ويحددّها قرءانه- هي حكم البشر للبشر، لأنها عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرّفض بألوهية بعض البشر، وبالعبودية لهم من دون الله. إن الجاهلية في ضوء هذا النّصّ ليست فترة من الزّمان. ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدا؛ فيأخذ صفة الجاهلية المقابلة للإسلام والمناقضة للإسلام".(1)
قلت:
(1) – في ظلال القرءان ج06/ ص 183.