نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٦٤فما بين نهيه تعالى عن موالاة اليهود والنّصاري وبين قوله: (اِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ’): يأتي ذكر هذه المواصفات لمن يحبّهم الله ويكونون مناط وعده بالنّصر والغلبة لدينه الحق. ومن بلاغة القرءان أن يختار لهذه المواصفات أسلوب الخبر "بمن" الشّرطية، ليكون الجواب هو الإتيان بالبديل المختار والممتاز من المؤمنين الصّادقين، لأن الصّراع بين الحق والباطل يقتضي هذا التّدافع بين النّاس وتمحيص معادنهم (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال:42). وقد حدث ما أنبأ الله به رسوله في هذه الآية الكريمة. إذ ارتدت فرق كثيرة عن الإسلام في حياة الرّسول وبعد مماته، ويعدّها رواة السّيرة إحدى عشرة فرقة: ثلاث منها في حياة الرّسول، وسبع في عهد أبي بكر. ونعتوها بأسمائها. قال ابن إسحاق في ما نقله الإمام الطّبريّ في تفسيره: قال:"لما قبض رسول الله -عليه السلام- ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤَاثَى".(1) وهو اسم حصن بالبحرين.
وقد عالج أبو بكر هذا الموقف في قتال المرتدين بما يستحقه من الحزم والصّرامة إقتداء برسول الله فقال قولته المشهورة وهو يستشير الصّحابة في شرعية ذلك القتال. قال: "لا والله لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه. ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه".
(1) – مجلد 06 / صفحة: 182.