نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٨٢من مسارعة اليهود في الإثم والعدوان. هذه المقولة الشّنعاء التي تنمّ عن خبث الطّوية قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ): وهي معطوفة على قولهم: (وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا): وغلّ اليد كنّاية عن البخل الشّديد. وقد عبّر الله تعالى في ءاية أخرى بلفظي القبض والبسط فقال: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:245). وبسط اليد كناية عن الجود والكرم. واستعارة: "غلّ اليد": للبخل والشّحّ تعبير عن الشّدة والمبالغة فيهما كما قال في سورة الإسراء: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (29). وسواء قالوها لفظا كما تنصّ عليها بعض الرّوايات في أسباب التّنزيل أو عبّروا عنها موقفا وحالا في معرض التّهكم بالمسلمين، فإن اليهود لا يستحون من الله أن يقولوها كما حاول بعض المفسّرين أن يستشكل ما ذكر عنهم في هذه الآية بدعوى أن اليهود أهل إيمان ودين فلا يجوز لهم أن يصفوا الله بذلك. ومتى ثبت عنهم في تاريخهم أنهم وفّوا بعهد الله أو أنهم قدروا الله حق قدره. أو لم يقولوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ) (آل عمران:181). يقول صاحب المنار في ردّ ذلك الإشكال: "وعبارة الآية لا تدلّ على أن هذا القول يقوله جميع اليهود في كل عصر، حتى يجعل إنكار بعضهم له في بعض العصور وجها للإشكال في الآية وإنما عزاه إلى جنسهم لما ذكرناه ءانفا على أن النّاس في كل جنس يعزون إلى الأمة ما يسمعونه من بعض أفرادها إذا كان مثله لا ينكر فيهم. والقرءان يسند إلى المتأخرين ما قاله وفعله سلفهم منذ قرون، بناء على قاعدة تكافل الأمة وكونها كالشّخص الواحد. ومثل هذا الأسلوب مألوف في كلام النّاس أيضا" انتهى.(1)
قلت:
(1) – مجلد 06/ صفحة 453.