نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٩٠نهى الله تعالى في ندائه الأول للرسول أن يحزنه الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود، وقبل أمره بالتّبليغ لكل ما أنزل إليه من ربّه في هذا النّداء. أخبره ربّه بأن الكثير من أهل الكتاب هم ممن ساءت أعمالهم وأن بلاغ القراءن لا يزيدهم إلا طغيانا وكفرا. فهم -إذن- في موقف التّحديّ والعداء، ومع العداوة والطغيان المكر والكيد. فهل يكون للرّسول عذر في هذا الموقف أن يحجم عن الدّعوة أو أن يداهن اتقاء للمكر والإذاية، سيما والقرءان يكشف فضائحهم ويجابههم بما يُسرّون وما يكتمون. فجاء هذا الأمر الجازم للرسول بأن لا يستبقي شيئا مما أنزله الله. وأن لا يخشى مكر النّاس لأن الله حافظه وعاصمه. وما أروع الإظهار في قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ): ولفظ الجلالة له إيحاءاته المكنية في مثل هذا الموقف. فالتّبليغ لكل النّاس، وحفظ الله موعود به لرسوله من جميع النّاس. فأهل الكتاب وغيرهم من المنافقين والمشركين سواء. ذلك لأن ادعاء الإيمان من أهل الكتاب لم تخرجهم عن طبيعة النّاس في جاهليتهم وضلالهم، لأنهم اختاروا الظّلم فأخطأتهم هداية الله.
وقوله تعالى: (فَلَا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): يؤكد معنى التّوافق والتّكامل بين مضمون النّدائين كما تقدم أي بعد قوله: (قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالاِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم): ثم قال مؤكدا المعنى السّابق: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلَا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ):