نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٨٩النّداء الإلهي بصفة الرّسالة لسيّدنا محمد تشريف وتكريم وهو النّداء الثّاني بهذه الصّفة في هذه السّورة الكريمة. وبين مضمون النّداءين توافق وتكامل في تصوير طبيعة الدّعوة وصفة الدّاعي. لأن الدّعوات الصّالحة التي تواجه واقع النّاس لإصلاح وضعيتهم وتغيير منهجهم لابد وأن تصطدم بأنواع من التّحدّيات تفضي أحيانا إلى المواجهة في إصرار وعناد. كما أن الدّاعي الوفي لمبدئه وعقيدته لا يردّه كيد الكائدين، ولا تحبط مسعاه أنواع الإذايات التي يتلقاها، وإن كان يجد في نفسه بعض الضّيق لما يجابهه من قومه ويلقاه. والرّسول قد واجه المكر والإذاية في مكة من طرف قومه من كفار قريش، كما واجه ذلك في المدينة من طرف أهل الكتاب وأشياعهم من المنافقين. وقد استشكل بعض المفسّرين موضع هذه الآية من هذه السّورة وهي من ءاخر القرءان نزولا، ويوشك التّبليغ المأمور به أن ينتهي؟؟ فذهب المفسّرون مذاهب شتى في التّوفيق بين موضعها من هذه السّورة وبين طبيعة الدّعوة من أول مسارّها فيها بعيد الاحتمال وفيها القريب، ووردت في أسباب النّزول روايات تتفاوت في الصّحة والضّعف لا تقوى أن تبيّن بوضوح مقام الآية مما يكتنفها من الآيات في هذه السّورة الكريمة ولذا يقول الإمام الرّازي بعد سوقه لتلك الأقوال: "واعلم أن هذه الرّوايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى ءامنه من مكر اليهود والنّصارى، وأمره بإظهار التّبليغ من غير مبالاة منه بهم. وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير، وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنّصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها".(1)
قلت:
(1) - مجلد: 12/ صفحة:50.