نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٠١

وحاول المفسّرون أن يجدوا معنى في تقديم الظّلمات على النّور، ولمَ جمع الأول وأفرد الثّاني. وهل يجمع فيهما بين الحقيقة والمجاز بما يطول شرحه. وقد أبدع الإمام ابن عاشور -رحمه الله- في تلخيص ذلك بقوله: "ثم إن في إيثار الظّلمات والنّور بالذّكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضا بحالي المخاطبين من كفر فريق وإيمان فريق. فإن الكفر يشبه الظّلمة لأنه انغماس في جهالة وحيرة، والإيمان يشبه النّور لأنه استبانة الهدى والحق. قال تعالى: (يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة:257). وقدّم ذكر الظّلمات مراعاة للترتب في الوجود، لأن الظّلمة سابقة النّور، فإن النّور حصل بعد خلق الذّوات المضيئة، وكانت الظّلمة عامّة. وإنما جمع: (الظُّلُمَات) وأفرد: (النُّور): إتباعا للاستعمال. لأن لفظ: (الظُّلُمَات): بالجمع أخفّ ولفظ: (النُّور) بالإفراد أخفّ. ولذلك لم يرد لفظ (الظُّلُمَات) في القرءان إلا جمعا. ولم يرد: (النُّور): إلا مفردا".(1)

(ثُمَّ الذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ): جملة معطوفة على جملة: (الْحَمْدُ لِلهِ): عطفت (بِثُمَّ): للتراخي الرّتبيّ وهي تتضمّن معنى التّعجيب من أمر المشركين، وكونه ضدّ ما يجب عليهم للإله الحق الذي يعترفون بأنه هو الخالق: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان:25). فكيف يعدلون به غيره في تلك القدرة، ويسوّونه بهم في الحمد والثّناء والعبادة. قال تعالى: (أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ) (النحل:17). وقال: (وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (النحل:20).

(1) - التّحرير والتّنوير: ج 07 / ص 127 - 128.

١٬٥٥٩ / ٦٬٢٠١