نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٠٢(هُوَ الذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمّىً عِندَهُ’ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ): كلام مستأنف بأسلوب الإلتفات إلى خطاب المشركين. واستعمال الضّمير: (هُوَ): يفيد القصر. أي هو خالقكم لا غيره، كما يفيد التّعجيب من أمرهم في إنكار البعث، وبعد أن ذكّرهم بخلق السّماوات والأرض الذي يعترفون به، ذكّرهم بخلقهم الأول من مادة التّراب، وهو يعترفون به كذلك: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُوفَكُونَ) (الزّخرف:87). والبعث الذي أنكروه هو الخلق الثّاني. وإعادة الخلق هي أسهل من الخلق الأوّل في عرفنا نحن البشر، فكيف يحصل هذا الإنكار ممن أقرّ بقدرة الله في الخلق الأول؟؟ قال تعالى: (وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (الروم:27). وإذا وازنّا في تقييم حجم الخلق في التّدليل على قدرة الله، فإن خلق السّماوات والأرض وما فيهن لهو أعظم لدى التّأمّل والاعتبار قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر:57). وقوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمّىً عِندَهُ’). وقضاء الله للأجلين هو بمعنى الاستيفاء: أي أنه تعالى قضى لعباده أجلين: مدة حياة كل فرد، والتي تنتهي بموته. والأجل الثّاني، هو أجل بعث النّاس إلى الحشر. وهو معيّن في علم الله وحده دون غيره.
(ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ): الخطاب للمشركين المنكرين للبعث والجملة معطوفة على قوله: (هُوَ الذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ): وتتضمّن التّعجيب والتّوبيخ لشكّ هؤلاء في قضية البعث، مما يتعارض مع ما يقتضيه العقل من النّظر والتّأمل.