نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٢٣(وَإِنْ يَّمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ (إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَّمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ): الخطاب للرسول باعتباره النّموذج العلى للإنسان الكامل في معتقده وفي سلوكه وأخلاقه. يخبره الله تعالى بأنه المالك الحقيقي للنفع والضّرّ، يتصرّف بهما في شؤون خلقه إصابة أو كشفا وفق مشيئته وقدرته بتدبير حكيم وفق سنن ونواميس لا تكون طيّعة إلا لقدرة خالقها وواضعها. ولا يعني تصرّف الله تعالى في شؤون عباده وفق حكمته في قضائه وقدره، لا يعني ذلك أن يبقى الإنسان مكتوف الأيدي لا يأخذ بالأسباب في جلب النّفع ودفع الضّرّ. بل المطلوب من المؤمن الصّادق أن لا يلتجيء لغير الله في الطّلب والدّعاء توسّلا بنبيّ أووليّ، أو توقها إلى صنم كما يفعله المشركون. لأن الإنسان وإن يكن له سعي من اتخاذ الأسباب فقد لا يهتدي لأنجعها في تحقيق مراده، وقد يتعسّر عليه طلبها، وقد يستعصى كشف الضّرّ عن الأسباب التي هي في متناول يدي. لأن منها ظاهرة وباطنة، فلا ملاذ -إذن- إلا لعالم الغيب والشّهادة، لأنه القادر على كل شيء، القويّ القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير: أي صاحب التّدبير المحكم والصّنع المتقن، الخبير بمنافع الأشياء ومضارّها ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة يونس مخاطبا رسوله: (وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ) (وَإِنْ يَّمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ (إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (106 - 107). وكان الرّسول يقول: "اللّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ".(1)
(1) – الحديث: