نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٤٧(قُلَ اَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): أمر رسول الله في هذه الجملة المستأنفة أن ينكر عليهم عبادة من لا يستطيع دفع ضرّ ولا جلب نفع. ومعبود النّصارى من العقلاء، واستعمال "ما" لغير العقلاء جاء على وجه التّغليب، لأن أكثر ما عبده النّاس من دون الله غير عاقل، في مختلف الحضارات البشرية المتعاقبة. وفي اختيار "ما" ما يدلّ أن المقصود هم جميع الذين يجعلون لله أندادا من النّصارى وغيرهم من المشركين. ووجه الاستدلال أن عيسى وأمّه قد تعرّضا لإذاية اليهود بالقول والفعل فما استطاع أحدهما أن يدفع عنه شرّهم. كما أن عيسى عندما ألّهه المسيحيّون لم يملك أن يجلب إليهم نفعا، بل كان كلما ألحّوا عليه في تحقيق شيء -كإنزال المائدة- توجّه إلى مولاه بخالص الدّعاء يطلب منه العون لتحقيق ما يرغبون فيه. ومن كان في حاجة إلى غيره لا يمكن أن يكون إلها يعبد.
(وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): وإنما الألوهية الحقة لله وحده، والجملة في موقع الحال. وهي تفيد القصر بتعريف الجزأين وضمير الفصل، فالسّميع لدعائكم المالك للاستجابة هو الله وحده وهو العليم بأحوالكم والقاضي لحاجاتكم. فلا يملك عيسى ولا غيره ممن عبد من دون الله أن يضرّكم ولا أن ينفعكم. وإنما هو الغلوّ في الدّين متى تمكّن من النّفوس صرفها عن الحق فضلّت وأضلّت.