نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٥٠

بعد الرّدّ القويّ على ضلالات اليهود والنّصارى جاء وصف أسلافهم بأن الكفار منهم مطرودون من رحمة الله، وسبب ذلك هو استمرارهم في العصيان والاعتداء على حدود الله واستعمال الفعل الماضي بعد ما المصدرية (بِمَا عَصَواْ): يدلّ على قدم عصيانهم، وصيغة المضارع (كَانُواْ يَعْتَدُونَ): تدلّ على الاستمرار، إذ كذبوا بعيسى وبمحمّد. ثم سبب ذلك الاستمرار في العدوان وهو أنهم (كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ): لأن النّهي عن المنكر إذا كان قدرا مشتركا بين النّاس، فإنه دليل صحة وعافية لذلك المجتمع، يحافظ على الفضيلة ويرعى حرمات الدّين، فلا يتجرّأ السّفهاء والفساق في تشجيع الرّذيلة. وبنو إسرائيل فشت فيهم المنكرات عندما سكت علماؤهم عن التّوجيه والإرشاد كما قال تعالى في الآيات السّابقة: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الاِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (المائدة:63). وكما ورد عن رسول الله في معنى هذه الآية عن عبد الله بن مسعود: إن أول ما دخل النّقص على بني إسرائيل أنه كان الرّجل يلقى الرّجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحلّ لك ثم يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: (لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَآءِيلَ) إلى قوله: (فَاسِقُونَ).ثم قال عليه السلام "كلا والله، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ثم لتأخذن على يد الظّالم، ولتأطرّنه على الحق أطرا، ولتقسرنّه على الحق قسرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم".(1)

(لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ): أكّد الذّم لما كانوا يفعلون بلام القسم، لأن السّكوت عن فعل القبيح كثيرا ما يؤدى بحكم التّعوّد إلى الرّضى به، والرّاضي عن الشّيء كفاعله.

قلت:

(1) – رواه التّرمذي وأبو داوود.

١٬٦٠٨ / ٦٬٢٠١