نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٥٤صحت روايات كثيرة في سبب النّزول عن ابن عباس وغيره أنها نزلت في النّجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرّسول وءامنوا به، أو هم الذين استمعوا إلى جعفر بن أبي طالب عندما قرأ عليهم سورة مريم بحضرة النّجاشي، فآمنوا بالقرءان وفاضت أعينهم من الدّمع، أو هم فريق ءاخر من النّصارى أوركهم الإسلام. فأمنوا به لما سمعوا القرءان.
بعد ذكر مواقف أهل الكتاب من دعوة الإسلام ومحاجّتهم في فساد عقيدتهم في التّثليث، وبيان شأنهم في ما يدّعونه من الإيمان، جاءت هذه الآيات لتبيّن حالاتهم النّفسية في نظرتهم إلى المسلمين، وأنهم على تفاوت نسبّي في الإعراض والعداوة. وإن كان الله تعالى قد لزّهم في قرن واحد ونهي المسلمين عن موالاتهم غير أن التّشنيع بمواقف اليهود كان أشدّ وأقوى في الآيات السّابقة لأنهم أشد مكرا وأمعن إيذاء للمسلمين. فلا عجب أن يبتدأ في الإخبار عنهم بأنهم أشدّ النّاس عداوة للذين ءامنوا، وأن يجعلوا في ذلك قرناء للمشركين. (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ): لأن في تقديم ذكرهم على المشركين -زيادة على لام القسم ونون التّوكيد- ما يدلّ على ذلك. كما أن الواقع التّاريخي في الصّراع المرير قديما وحديثا بين المسلمين واليهود يثبت معنى الآية الكريمة، ويصلح الخطاب أن يكون لرسول الله باعتبار اليهود والمشركين المعاصرين للتنزيل، أو هو خطاب لغير معيّن باعتبار وجود الطّائفتين في كل زمان ومكان على قاعدة: العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.
يقول السّيد قطب -رحمه الله- في تقرير هذا المعنى: "وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التّقرير الرّباني بالواقع التّاريخيّ المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللّحظة الحاضرة، فإنه لا يتردّد في تقرير أن عداء اليهود للذين ءامنوا كان دائما أشدّ وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا".(1)
(1) – ط ج 07/ ص 10.