نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٧٧بيان لجزاء من قتل الصّيد متعمّدا -وهو محرم، أو هو في الحرم- والقتل يشمل كل الوسائل التي يقتل بها، وسواء قتل المحرم الصّيد بيده مباشرة أو تسبّب في قتله. ومن فعل ذلك فعليه من الأنعام مماثل لما قتله. أيّ يكفّر على فعلته تلك ببهيمة من الأنعام تكون شبيهة بما قتله من الصّيد في هيئته وخلقته. مثل عنزة أو شاة إذا قتل ظبيا، أو بقرة إذا قتل بقرة وحش. ولمّا كان ضبط المماثلة والمشابهة بين الصّيد المقتول وما يكفّر به من النّعم جزاء لما كان ذلك من الأمور التي يعسر ضبطها عند أكثر النّاس وكلَ الله تقدير ذلك إلى عدلين من المؤمنين. لقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ): ويقارن العدلان بين المقتول وجزائه من النّعم بالمعاينة أو المواصفة، فإذا هما لم يجدا الشّبه بينهما في وجه من الوجوه حكَما بالقيمة يتصدق بها. وهذا هو رأي الجمهور وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى اللّجوء إلى القيمة مطلقا سواء كان للصيد المقتول مِثلٌ أو لم يكن. وقد اختلف العلماء في الصّيد الذي نهت الآية عن قتله: فقيل إنه كل حيوان وحشي يؤكل لحمه. وأما مالا يؤكل لحمه من السّباع أو الزّواحف والحشرات فغير منهي وعمّم بعض العلماء قتل كل حيوان إلا ما أذن الرّسول في قتله من الفواسق الخمس كما في حديث عائشة وهي: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور وتقييد القتل بالعمد يفيد أن المخطىء لا جزاء عليه، أو عليه جزاء أخفّ. ولم تثبت الرّوايات حكما لرسول الله في ذلك، إلا ما مضى عليه العمل من عهد الصّحابة. فقد نقل الإمام ابن عاشور عن الإمام الزّهريّ أنه قال: "نزل القرءان بالعمد وجرت السّنة في النّاس والمخطىء أنهما يكفران". ثم علّق الإمام ابن عاشور على ذلك بقوله: "ولعلّه أراد بالسّنة العمل من عهد النّبوءة والخلفاء ومضى عليه عمل الصّحابة. وليس في ذلك أثر عن النّبي صلى الله عليه وسلم".(1)
(1) - ص 44.