نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٢٢٣

ولعلّ المسيحيين قد أخذوا من هذا الأدب العالي للسيد المسيح. فكان من عادتهم إلى اليوم أنهم عندما يجلسون إلى مائدة الطّعام يتوجّهون إلى الله بالدّعاء قبل البدء في الأكل. ويؤمّنون على ذلك الدّعاء ثم يشرعون في الأكل: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَّكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيَ أُعَذِّبُهُ’ عَذَاباً لَّآ أُعَذِّبُهُ (أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ): هذا وعد مؤكّد من الله تعالى بأنه ينزّل هذه المائدة، ووعد الله حق وصدق. ولكنه في الآية الكريمة مقرون بشرط إن لم يوفّ به الحواريّون يترتب عليه وعيد شديد، وهو مقرون بفاء التّرتيب. وذلك أن من يكفر منهم بعد ذلك وقد قامت عليه الحجة باستجابة ما طلب، فإن الله يعذبه عذابا أشدّ من عذاب سائر الكفّار. وكانت سنة الله في الأمم الخوالي أنه يستأصل شفتها بعد كفرها بما أنجز الله لها من الآيات الخارقة للعادة. كما أشارت إليه ءاية الأنعام بالنّسبة لكفّار قريش: (وَقَالُواْ لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوَ اَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الاَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ) (8). وقال في سورة الإسراء: (وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا الاَوَّلُونَ) (59).

وبعد هذا الجزء من قصة المائدة يتمّ الحدث ولا يذكر ما حدث بعد نزلها، لأن المقصود من إيراد القصة هو تشخيص إيمان الحواريين من جهة، وكون المسيح لا يستنكف أن يكون عبدا لله في ضراعته وتعظيمه لربّه وكل ذلك تمهيد للحوار القدسي التّالي في صلب العقيدة.

١٬٦٨١ / ٦٬٢٠١