نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٣١والصّدق مطلوب في جميع التّصرفات وفي كل الأحوال، وأعظمه مرتبة ما يكون في معتقد الإنسان حين لا تخالطه شائبة من شرك أو نفاق. وقد برهن عيسى على ضراعته وعبوديته لمولاه في ذلك الموقف المهول المشار إليه في أول الآية: (هَذَا يَوْمَ). وإيراد هذا الوصف الحميد "الصّدق" دون سواه من الأخلاق الحميدة الأخرى كالإخلاص والوفاء مثلا، هو الذي يتناسب مع موقف الافتراء والكذب من أتباع عيسى عليه السلام فقد صدّقت الله على رؤوس الأشهاد في ما أجاب به عن نفسه، وفي حقيقة ما بلّغه لقومه في قوله: (مَا قُلْتُ لَهُمُ (إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنُ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ). والصّادق ينتفع بصدقة في الدّنيا والآخرة، فما وجه تحديد وقوع النّفع باليوم الآخر؟؟ … ذلك لأنه يوم الجزاء على الأعمال المقدمة في الدّنيا حيث كان الإنسان مختارا موكولا إلى إرادته في ما يعتقده وما يعلمه، ثم إن كونه صادقا في الدّنيا لا يجعله معترفا بصدقه من جميع النّاس.
أولا: لأن معايير الصّدق تختلف عندهم.
وثانيا: لعدم معرفتهم لما في بواطن الخلق، وهي مستودع أسرار النّفوس، ولا يعلم حقيقتها إلا الله. وقد يتعرّض الصّادق إلى كثير من المتاعب والشّرور في الدّنيا حين يشيع الفساد وتتدهور الأخلاق.
(لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
بيان لجملة ذلك النّفع. بذكر النّعيم الماديّ والنّعيم الرّوحاني.
أ) - فالأول: يتمثل في نعيم الجنة وما فيها من الطّيّبات والملاذّ يزيد في لذة الاستمتاع بها أنها دائمة باقية كما ورد في قوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاَنفُسُ وَتَلَذُّ الاَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الزّخرف:71).