نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٤٥كان إعراض القوم عن دعوة الرّسول مبعث حزنه وأساه شفقة منه على سوء مصيرهم، وفي معرض تسلية الله له جاء عطف هذه الجملة على قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ’ لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ): والجملة مصدرة بأداة الشّرط "إن" مفصولة "بكان" بينها وبين فعل الشّرط ليبقى على معنى المضيّ. وقد أخبر الله تعالى رسوله من أوائل السّورة أن هؤلاء الكفار لا ينقلعون عن إعراضهم مهما حاول معهم في التّبليغ والإقناع. ولشدة حرصه عليه السلام على هدايتهم، ربّما تمنّى من الله لو ءاثاهم ببعض ما طلبوه. فأراد الله تعالى أن يؤكد لرسوله أن هؤلاء ميؤوس من إيمانهم، وقد سبق في علم الله ذلك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية. فقال تعالى: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الاَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ فَتَاتِيَهُم بِئَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ): والمعنى إن عظم ذلك الخ … إن عظم ذلك في نفسك -أيها الرّسول- وكنت تستطيع أن تأتيهم بآية مما يطلبون تغوص عليها في أعماق الأرض أو تبحث عليها في السّماء حتى يصدّقوك بسببها فأفعل. وإيت بها. ولكنك لا تستطيع ذلك لأنك بشر محدود الحيلة والقوة. وقد فصّل الله هذا المعنى في سورة الإسراء أكثر فقال تعالى: (وَقَالُواْ لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنْبُوعاً). (اَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً). (اَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً اَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً).