نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٠أمر الله تعالى رسوله أن يقول للذين رغبوا في إنزال ءاية خارقة للعادة: (قُلِ اِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُّنَزِّلَ ءَايَةً): وهو لا ينزلّها لما فيه مصلحة الرّاغبين في ذلك أنفسهم، ثم محافظة على حكمته تعالى في خلقه. وللتدليل على تلك القدرة الإلهية عطف عليها هذه الجملة فقال جلّ من قائل: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلَا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ): الخطاب موجّه لأولئك المعاندين المتكبّرين لينبّههم إلى بديع صنع الله وتدبّر قدرته في ما حولهم من الوجود، وما يحتويه من الأحياء، سواء منها ما يدبّ على الأرض أو ما يطير في جوّ السّماء. فهم ليسوا وحدهم في هذا الوجود، وهم لم يخلقوا فيه سدّى، وإن كانت لهم ميزة من عقل وإدراك، أو إنجاز في مجال الحضارة والتّنظيم، لأن ما حواليهم من المخلوقات، وإن صغر شأنها في نظرهم، فإنها على شاكلتهم في الخصائص الفطرية التي تميّز كل نوع من غيره بحيث أن الله تعالى قد ألهمها كيف تدبّر شؤونها وتكتسب أقواتها، وتكافح لأجل بقائها: فهي وإياكم مخلوقات لله كما قال تعالى على لسان موسى وهو يلقن لفرعون مبدأ التّوحيد ومعرفة الله. فقال: جوابا لسؤال فرعون: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى)؟؟. (قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ’ ثُمَّ هَدَى) (طه:49 - 50). والله تعالى لم يبيّن وجه المماثلة بيننا وبينها ليبقى المجال مفتوحا للتأمّل والنّظر والبحث، سوف لا ينتهي في مجال محدود. وكم تعدّدت اليوم التّخصّصات في علم الأحياء، وتيسّرت فيه أسباب البحث، فتأيّدت بذلك هذه الأخبار الإلهية التي تضمّنها كتابه الكريم في توجيه نظر الإنسان إلى استجلاء ءايات قدرته في الأنفس والآفاق.